الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

230

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

والظاهر أنّ ذكر المسألة في باب الطلاق لشدّة الابتلاء بها هناك ، كما أنّ ظاهر كلام أبي حنيفة صحة الإيقاعات من المكره ، وكذا العقود الجائزة ، وكأنه اعتبر الرضا في خصوص العقود التي لا يمكن جبران الكراهة فيها بالفسخ وإن كان قوله باطلا قطعا . وسيأتي أنّ كلمات القوم غير محررة في المقام ، وأنّ الذي يفقده المكره هو القصد إلى مدلول العقد ، أو قصد الجدّ ، أو خصوص الرضا ؟ ومن هنا وقع التضارب والتهافت في كلماتهم حتى لمثل الفقيه الماهر صاحب الجواهر قدّس سرّه . ولكن لا بدّ من أن نتكلم أولا في دليل المسألة ، ثم نبحث عن الذي يفقده عقد المكره ، فنقول ومنه سبحانه نستمد التوفيق والهداية : استدلوا على اعتبار هذا الشرط ، أي الاختيار بعد الإجماع بأمور : 1 - قوله تعالى : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ « 1 » . دلّ صريحا على اعتبار الرضا وأنّ ما ليس كذلك كان من الأكل بالباطل ، فيدلّ على المقصود باعتبار الاستثناء والمستثنى منه كليهما ، والظاهر أن الاستثناء هنا منقطع ، لأنّ فيه الرضا ليس أكلا بالباطل . 2 - النهي عن أكل المال بالباطل من دون ذكر التراضي في قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ « 2 » وذمّه تعالى اليهود على أكلهم أموال الناس بالباطل « 3 » وكذا الأحبار والرهبان وأنّهم : لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ « 4 » . كل ذلك شاهد على المطلوب . 3 - ما دلّ على اعتبار طيب النفس والرضا في حلّية أموال مثل قوله صلّى اللّه عليه وآله في الحديث المعروف : « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه » .

--> ( 1 ) . سورة النساء ، الآية 29 . ( 2 ) . سورة البقرة ، الآية 188 . ( 3 ) . سورة النساء ، الآية 161 . ( 4 ) . سورة التوبة ، الآية 34 .